دمشق 12/12/2019 - 14:32 م
آخر الأخبار
الخط الحديدي الحجازي شريان أخوة وصداقة وذاكرة أمة
2015-04-15 10:25:28

قبل إنشاء الخط الحديدي الحجازي كانت رحلة الحجيج من دمشق إلى الأراضي المقدسة تستغرق نحو خمسين يوماً على الجمال والبغال ومثلها أثناء العودة حيث يسير الحاج حوالي 500 ساعة في ظروف بالغة القسوة من تغيير المناخ ومهاجمة اللصوص وقطاع الطرق والأمراض والأوبئة ,بينما كان حجاج الأناضول وآسيا الوسطى يستغرقون وقتاً أطول قد يصل لضعف هذه المدة .

البداية:
ولدت فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي للمرة الأولى عام 1864م في أثناء العمل على فتح قناة السويس التي ربطت البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر ,عندما تقدم الدكتور(زامبل) _ وهو مهندس أمريكي من أصل ألماني _ باقتراح مد خط حديدي يربط بين دمشق وساحل البحر الأحمر,لكن الاقتراح لم يلقَ الاهتمام الكافي في وقته,إلا أنه سرعان ما عاد للظهور عام 1880م عندما قدم وزير الأشغال العامة في الأستانة مشروعاً أوسع يقضي بمد خط حديدي من دمشق إلى الأراضي المقدسة,إلا أن المشروع لم يُنفذ بسبب الصعوبات المالية,وفي عام 1900م أي بعد مرور عشرين عاماً أحيا عزت باشا الأمين الثاني للسلطان العثماني عبد الحميد الفكرة من جديد حين اقترح على السلطان تنفيذ المشروع الذي تحمس له السلطان عبد الحميد وأقام له دعاية واسعة في العالم الإسلامي .

الأهداف:
وكان لهذا المشروع أهداف متنوعة ومنها :
- الأهداف الدينية :
وهي الأهداف المعلنة وغايتها تسهيل سفر الحجيج وتوفير الراحة والأمان والاطمئنان لهم حيث كانوا يواجهون مصاعب كثيرة في أثناء رحلة الحج التي كانت تستغرق عدة شهور, ولتقريب العاصمة المقدسة مكة المكرمة من العاصمة السياسية اسطنبول .
- الأهداف السياسية والعسكرية:
ربط البلاد الإسلامية مع بعضها البعض بطريق حيوي سهل والسيطرة على حركات القبائل المتمردة,و
تشديد قبضة السلطان عبد الحميد على الولايات العربية التي يمر بها الخط وجعلها في متناول اليد بأسرع ما يمكن .
- الأهداف الاقتصادية:
تعمير المناطق الواقعة جنوبي نهر الأردن وتطوير الزراعة وتنشيط اقتصاد الجزيرة العربية باتصالها ببلاد الشام وساحل البحر الأبيض المتوسط.
- الأهداف الاجتماعية:
تقوية الروابط الاجتماعية بين المدن والقرى التي يمر فيها الخط مما سيؤدي إلى تمدين سكان البادية من خلال الإطلاع على ثقافة المناطق الأخرى والاستفادة منها. 

الصعوبات:
واجه المشروع في بدايته صعوبات تمويلية أهمها ضخامة تكلفته التي قُدرت بنحو 3,5 مليون ليرة عثمانية في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تمر بأزمة مالية طاحنة ,فضلاً عن أن السلطان عبد الحميد أراد أن يضفي على مشروعه الطابع الإسلامي وكما أراد أن يتم إنشاء المشروع دون اللجوء إلى بيوت المال الأجنبية ,لذا وجّه نداءاً إلى العالم الإسلامي للتبرع للمشروع ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم, وليزيد من حجم التمويل فرض رسوماً جمركية وطوابع وضرائب خاصة بالخط الحديدي وبشكل دائم,كما جعل التبرعات إجبارية,ومنح الخط أملاكاً وأبنية في مناطق متعددة يعود ريعها للخط مدى الحياة. 
وبالنسبة للصعوبات اللاحقة فكان أبرزها السيول الجارفة والتي شكلت خطورة كبيرة على الخط في مرحلتي البناء والتشغيل حيث قام المهندسون آنذاك بإنشاء مصارف للسيول على طول الخط الرئيسي للتغلب على هذه المشكلة. 

مراحل الانجاز والرحلة الأولى:
بدأ العمل في إنشاء الخط عام 1900م في شهر أيلول بعد قرار السلطان العثماني عبد الحميد بتشكيل لجنتين للإشراف على تنفيذ المشروع الأولى في اسطنبول والثانية في دمشق وتم مسح المنطقة التي سيُقام عليها المشروع من قبل المهندس العثماني مختار بيك وهي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج,ولمواجهة نقص العمال استُخدمت قوات من الجيش العثماني بلغ عد أفرادها ستة آلاف جندي إضافةً إلى مائتي مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة,وقد تميزت معدلات الإنجاز بارتفاع ملحوظ إذ وصل معدل الإنجاز السنوي إلى حوالي 182 كيلو متراً وهو معدل مرتفع جداً مقارنةً بمعدلات الإنجاز الأخرى في تلك الفترة , وكان الانجاز على إحدى عشرة مرحلة وهي:
في عام 1901م - خط مزيريب - درعا 
في عام 1902م - خط درعا - الزرقا 
في عام 1903م - خط دمشق- درعا
- خط الزرقاء - عمان
- خط درعا - حيفا
- خط بلد الشيخ- عكا - حيفا
في عام 1904م - خط عمان - معان 
في عام 1906م - خط معان - المدورة 
في عام 1907م - خط المدورة - تبوك 
- خط تبوك - مدائن صالح 
في عام 1908م - خط مدائن صالح – المدينة المنورة. 
وبعد مضي ثماني سنوات تمَّ إنجاز المشروع ووصل أول قطار من الشام إلى المدينة المنورة في 23 آب من عام 1908م في رحلة استغرقت زهاء (55) ساعة حيث أقيم احتفال رسمي بافتتاح الخط بعد ذلك بأسبوع أي في الأول من أيلول ليصادف ذكرى جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على كرسي السلطنة.
وقد أدى هذا الخط خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام حيث استطاع حجاج الشام والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى الأراضي المقدسة في خمسة أيام فقط بدلاً من أربعين يوماً علماً أن الوقت الذي كان يستغرقه القطار هو يومين وعدة ساعات فقط أمّا بقية الوقت فقد كان يضيع في وقوف القطار في المحطات وتغيير القطارات.